محمد عزة دروزة

146

التفسير الحديث

تعالى وبكلمة أخرى شاءت أن تذكر هذا المظهر من مظاهر الكون بما كان متداولا بينهم . وهذا الأسلوب مما تكرر كثيرا في هذا الأمر لأنه أكثر تأثيرا فيهم كشأن القصص على ما شرحناه في سياق سورة القلم . ولقد كانوا يعرفون ويعترفون بأن اللَّه سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وهو مدبر الأكوان على ما جاء في آيات كثيرة منها آية سورة يونس هذه : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ‹ 31 › وآية سورة الزخرف هذه : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ‹ 9 › . إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ ‹ 10 › إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ‹ 11 › إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ‹ 12 › إِنَّه هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ‹ 13 › وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ‹ 14 › ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ‹ 15 › فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ‹ 16 › . « 1 » فتنوا : بمعنى اضطهدوا أو أرغموا المؤمنين على الارتداد . يصرف المفسرون بدون سند وثيق ضمير الفاعل في الآية الأولى من هذه الآيات إلى أصحاب الأخدود ويقولون إن الوعيد فيها لهم وإن عذاب الحريق هو مقابلة عينية لما فعلوه من حرق المؤمنين في نار الأخدود . وهذا عجيب وغير صواب فيما يتبادر لنا . وجملة * ( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ) * دليل على ذلك لأن أصحاب الأخدود ماتوا وانقضى أمرهم ولم يعد لفتح باب التوبة لهم محل . والمعقول الذي تدل عليه هذه الجملة أن يكون الوعيد لجماعة كانوا يفتنون المؤمنين والمؤمنات وقت نزولها . ولقد كان ذلك أمرا واقعا حيث كان بعض الزعماء المشركين في مكة يضطهدون ضعفاء المؤمنين والمؤمنات ويؤذونهم ليرغموهم على الافتتان أي